الثلاثاء، 19 مارس، 2013

الخضة - قصة الثلاثاء المرعب الثانية


"يا مّه!"
"انجرّي."

تعتصر ذراعها وتدفعها أمامها.. تلوي (صفية) عنقها تجاه أمها بينما تتقدم رغمًا عنها..

"يا مّه!"
"مانتي لو مجبتيلوش حتة العيل ح يتجوز عليكي يا بنت الهبلة"

تلقي بها على شريط القطار، يئن جسدها للسقطة، لكنها لا تنتبه للألم، ترفع رأسها سريعًا تستجدي أمها الراحلة:
"يا مّه!"

يتجعد وجه أمها المبتعد، دون أن تلتفت:
"أول ما تجيكي الخضة تفزي على حضن جوزك، وإن كان نايم تصحيه، أظن مفهوم."


تزفر، تريح رأسها فوق القضبان، تستشعر ألم عظامها للمرة الأولى، تطالع السماء، يلوح لها وجه أبيها فوق القمر:
"يخلصك كدا يا آبه؟"

تلتمع نجمة قريبة تأخذ عينها، تصيح:
"إيوة، إيوة آني اللي اخترته مغصبتش عليا، بس آني هبلة، كان لازمن تختارلي يا آبه، على الأقل مكنتش سيبتني"

يتوارى وجه أبيها خلف غيمة، تلاحقه بعينها قبل أن يختفي:
"على الأقل مكنتش سيبتني ورحت السما يا آبه"

تفر عرسة من بين أنياب قط، تركض بسرعة وبشكل متعرج نحوها، تنتفض داخل ثوبها وتتململ متحاشية موطيء قدم العرسة، ثم تنتفض كل ذرة من جسدها مع قرقعة القطار القادم على القضيب المعدني، تنقل بصرها بين العرسة والقط المنغمسان في مطاردتهما على طول القضبان، وبين القطار القادم من ذات الاتجاه، يندك القط، تنفعص العرسة، هل هذا هو الوقت لتفز؟ هل هذا هو الوقت يا مّه؟
~

تهب، تطوي جلبابها بين ساقيها وتجري، تسمع بين خطواتها عبارات أهل البلد:
"مش ديه (صفية) مرت (عبد الجليل)؟ ودي إيه جابها النواحي دي؟"
"ديه بت عقلها خفيف، سيبك منها!"
"ومالها بتجري زي الملسوعة كده ليه"

لا تلقي لهم بالاً، تركض، تركض..
"مقلتلك عقلها خفيف، لكن إيه اللي بيجري وراها دِه؟"

تلوي عنقها للخلف، تجحظ عينها وتصرخ.
~

تهوي بكلتي قبضتيها على الباب:
"افتح يا (عبد الجليل)، افتح يا (عبد الجليل)"

يأتيها صوته الناعس من خلف الباب:
"آني جاي أهوه"

تصرخ بينما تتلفت للخلف:
"بسرعة يا (عبد الجليل)، أبوس إيدك يا (عبد الجليل)"

يفتح الباب في ذهول، وفي ثانية تكون بالداخل وقد أغلقته واستندت عليه، ينظر لها بعجب:
"مالك يا بت؟ فيه إيه؟"

تلتقط أنفاسها، ولا تجيب. ينظر إليها بشك:
"إنتي كنتي فين؟"

تلتمع عينه بالفهم:
"إنتي رحتي القطر؟"

توميء برأسها بوهن، يهجم عليها يعتصرها بين ذراعيه:
"براوة عليكي يا بت"

يلقي بها فوق الفراش، يغرس شفاهه بعنقها، يقشعر بدنها، لا تدري أمن أجل الشفاه، أم من أجل الخمشات على الجدران، تعلق عينها بالشبّاك، طرقة خافتة على الباب، لا ينتبه لها زوجها، مثل شيء ضعيف يرتطم بالباب، تعافر لتوجه نظرها تجاه الباب من تحت جسده الثقيل، هذه المرة الرطمة أقوى، ثم هناك شيء ما يتسلل من تحت عقب الباب، شيء مثل عـ... عرسة تم دكّها لتصبح مبططة، وبما يكفي لتعبر تحت عقب الباب، خمشات الشبّاك صارت حفرًا، وانتهت بانفتاح ضلفتي الشباك على مصراعيهما، موفرًا مساحة كبيرة، بأكثر مما يتطلبه الأمر بكثير، لمرور قط مبطط.

تصرخ:
"دولا لحقوني يا (عبد الجليل)، لحقوني يا (عبد الجليل)"

تزيحه بقوة لم تعهدها فيها ليصطدم بالحائط، يهتف بملئ فمه:
"مالك يا بت! مين دولا اللي لحقوكي"

تصرخ، تصرخ، تتلفت بين القط على يمينها والعرسة على اليسار:
"عاوز مني إيه يا قط فطسان؟"
"عاوز مني إيه يا خنّاق الكتاكيت؟"

يقترب زوجها، يربت على كتفها:
"طب سد سد، باينّ الخضة كانت شديدة عليكي."

يربت عليها برفق، حتى تنام.

~

في الحلم، لا تسمع سوى عبارة واحدة:
"عاوزين منابنا"
"عاوزين منابنا"

~

تفتح عينها بوهن، تستمع إلى همس (عبد الجليل) على الباب:
"ديه كانت حالتها صعبة، إنتي لو كنتي شفتيها يا خالتي كنتي عذرتيني"
"أعذرك إيه وسخام إيه يا (عبد الجليل)، إيش حال وآني موصياك"
"صدقيني يا خالتي، آني حاولت بس....

يقطع جملته، ويرقب زوجته التي هلّت كالقمر.. تقبّل أمها وتبتسم:
"مرحب يا مّه"

تلتفت إلى زوجها:
"صباح الخير يا (عبده)"

تبش لها الأم:
"وشك ولا وش القمر يا بت، عملتي إيه امبارح؟"
"عملت زي ما قلتيلي بالظبط"

تداري وجهها بخصلات شعرها:
"وحاسة كدا إن الخير هيبقى على إيديكي"

يتهلل وجه الأم:
"يعني نقول صباحية مباركة؟"
"يوه يا مّه!"

تلتفت للزوج في استنكار:
"أمال إيه اللي بتقوله دِه يا (عبد الجليل)!"

لا تنتظر إجابة، ولم يكن ليجيب على أية حال، كان واقفًا كالصنم، تطوّقها بذراعها وتقودها للداخل:
"تعالي يا حبة عيني، تعالي"
~

تودّع أمها على الباب، ثم تلتفت له:
"تفطر يا (عبده)؟"

يوجّه (عبد الجليل) أذنه تجاه السرير، ثم يقول بعجب:
"مش سامعة حاجة؟"
"حاجة زي إيه؟"
"زي ما تكون خروشة فيران"
"متبقاش موسوس يا (عبده)"

تبدأ في تجهيز الفطور. ~

ترفع يدها باللقمة إلى فمه:
"تعدمني إن ما أخدت دي"

يلتقطها ويتحدث بفم الممتليء:
"بزيادة يا (صفية)، كلي إنتي"
"وآني عندي أعز منك، دانت نقاوة عيني، إنت اللي اخترتك من وسط شباب البلد كلتهم، عشان حبيتك يا (عبده)."
"مآني كمان حبيتِك"

تمد يدها بلقمة أخرى:
"واللي يحب حد يهدده يتجوز عليه برضك؟"

يلتقطها ويتحدث من بين الفتات:
"مآني نفسي في حتة عيل يا (صفية)"
"وكان لازمن يعني القطر؟ ما الحكيم قالك إني زي الفل"

يرفع يده بلقمة تجاه فيها، فيما يقول:
"وإيه يعني اللي جرا، مانتي لسّاكي زي الفل أهاه"

وقبل أن تصل يده إلى فمها، تغرق بسائل لزج ينفجر من فيها. تتصلب نظرته على يده، ثم يرفعها إلى عينها ليجدها محدّقة به، تتلعثم عبارته:
"سـ.. سلامتك.. إيه اللي صابك؟"
"مش عارفة، نفسي غامّة عليا ومش طايقة الأكل و..."
"أجيبلك الحكيم؟"
"لاه! هاتلي كبدة"
"إيه؟"

تقف، تسند ظهرها بكفها، وتتغنج:
"نفسي في الكبدة يا (عبده).."

يبش وجهه، يركض ينظف يده فيما يصيح:
"بتقولي إيه؟ إنتي...."

تبتسم:
"إيوة."

يركض باسطًا ذراعه تجاهها:
"جد دِه يا (صفية)! دآني أجيبلك عنيا"

تصد ذراعه بدلال:
"لاه، آني مش عاوزة عنيك، آني عاوزة كبدة"

يركض تجاه الباب متخبطًا:
"حالاً، دقيقة وهتجيكي أحلى كبدة في البلد كلتها"

يتوقف قبيل الباب، ويلتفت لها:
"لكن... كيف دِه حصل؟ داحنا امبارح...."

يقطع عبارته، ينصت إلى الضجيج المتنامي بالخارج، الضجيج المقترب من داره بالذات، والمتكاثف على باب الدار في طرقات تخلع القلب ذاته، يدفع زوجته إلى خلف الباب صائحًا:
"إتداري يا بِه"

يسارع بفتح الباب، فتطالعه عشرات الوجوه الواجمة لأهالي البلد:
"(عبد الجليل)، إنت راجل مؤمن، ولازمن تتقبل قضاء ربنا"

يقف مشدوهًا:
"إيه اللي حصل؟"
"(صفية)"
"مالها"
"لقيوا جثتها على شريط القطر"

وقبل أن يدرك ما يسمع، تمتد يد (صفية) من خلف الباب تغلقه، تتقدم منه ببطء فيتراجع إلى الوراء حتى يسقط على الفراش الذي يخرج من تحته قط وعرسة مندكان، يطلق القط مواءً مريعًا فيما تصرخ العرسة صرختها الحادة، ثم يهجمان على وجهه يلعقانه، تصعد (صفية) من فوقه فيما تغرس أصابعها تخترق بطنه:
"قلتلك مش عاوزة عنيك يا (عبده)، عاوزة الكبدة"

يطلق صريخًا مريعًا، فيما تستخرج كبده بيدها، تتساقط الدماء من بين أصابعها، يرتج الباب من الطرقات المستعرة، يتقافز القط والعرسة وصولاً إلى يدها، يصمت صراخه تمامًا لحظة أن ينفتح الباب، ليجدها أهالي البلدة تمضع نائبها من الكبد في استمتاع، بعدما قد قسّمته على ثلاث.

(تمت)


هناك 20 تعليقًا:

  1. جميلة جداً و اللهجة عجبانى اوى سامعها ف ودنى و هما بيتكلموا
    دى اول قصة اقرا و اكيد مش هتكون الأخيرة و أول مرة اقرا حاجة رعب لو على اعتبار ان الفيل الازرق مش رعب و دى البداية ان شاء الله للبدء فى أدب الرعب ده
    تسلم ايديكى :)

    ردحذف
  2. دي حاجة تشرفني واتمنى دايما تقرالي ويعجبك شغلي وقولي رأيك بقى قراية الرعب احلى وللا الانواع التانية

    ردحذف
  3. غير معرف8/4/13 03:01

    باين عليكى يا اخت سالى حترجعينا للقرائه تانى الأسلوب الشيق ده حلو جدآ

    ردحذف
    الردود
    1. ربنا يخليك دا شرف ليا ويارب الجديد يعجبك

      حذف
    2. رااااااائعة .. تحياااتي و تمنياتي بمزيد من التوفيق . انا دااائما في شوق لمتابعة كل ما هو جديد من قصص الثلاثاء . لماذا توقفتي عن متابعة قصص رعب جديدة كل ثلاثاء

      حذف
    3. شكرا يا طارق انا سعيدة جدا بمتابعتك وفي جديد ان شاء الله كل تلات على مجلة بص وطل لكن مش بنزل القصة على المدونة غير لما تكتمل لو كانت على حلقات
      فانت ممكن تتابع الحلقات على بص وطل او على الفيس، او تنتظر لما تكمل هنزلها هنا ان شاء الله
      شكرا جزيلا وهنتظر رأيك

      حذف
  4. غير معرف21/4/13 04:27

    جمييييييل ومشوق

    ردحذف
  5. قصه مشوقه جدآآ

    ردحذف
  6. غير معرف23/4/13 06:43

    حلووووووه لو شفت ززي كدا روايات جيب رح اشتريها <3

    ردحذف
    الردود
    1. متشكرة قوي :)
      خلاص جرب بقى سلسلة الحب والرعب وقولي رأيك

      حذف
  7. it is very good .. but fi 7aga ..
    The girl is dead .. her mother ba2a !! law kanet heya w gozha bas kanet hat3addi .. but her mother's presence melakhbat el mawdou3 shwaya .. walla eih ?

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا بيك يا شادي أنا متشكرة قوي على متابعتك للقصص كلها
      لكن قولي إيه الغريب بالنسبة لوالدتها هي والدتها عايشة عادي ومتعرفش إنها ماتت على القطر افتكرت إنها رجعت سليمة

      حذف
  8. موقع عجيب يمكنك من مشاهدة أي مكان في العالم بالقمر الصناعي ومن مسافة قريبة للغاية
    http://globestar.eu5.org

    ردحذف
  9. غير معرف30/10/13 12:46

    عجبني جداً فكرة العقاب للزوج الذي يلوم زوجته فقط على تأخر الإنجاب ويهددها بالزواج عليها

    ردحذف
  10. غير معرف14/4/14 13:46

    معفنة

    ردحذف
  11. غير معرف14/4/14 13:47

    قصصك وووحشة

    ردحذف
  12. غير معرف10/7/14 13:18

    وحشة اوي

    ردحذف
  13. غير معرف22/3/16 00:28

    بجد جميلة اوي تسلم ايدك

    ردحذف

إذًا، ماذا ترى؟
أسرِع، لا يمكنني الانتظار

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...