الثلاثاء، 12 مارس، 2013

من أجل حفنة قراميط - قصة الثلاثاء المرعب الأولى




لم يكن حفيف ثوب (عباس) وسط السكون مرعبًا، لم يكن ذلك الظلام الذي لم ينقهر أمام أذان الفجر ذاته، لم يكن عواء القط في الخلاء لدى رؤيته، لم يكن تصلب أصابعه على عود الصنارة المسحوب من خلفه، تاركًا على الأرض خطًا يُسهّل اقتفاء الأثر، وفي الجو تتكهرب الأيونات من صوت الاحتكاك، وفي البدن، هناك تلك القشعريرة.

ولم يكن شيئًا من هذا مرعبًا، فقط، فقط، تلك النظرة بعينه...
لو أنك رأيتها!
~


يتوقف أمام دار (سعيد)، ويطرق طرقات لحوح، يسارع (سعيد) بفتح الباب فيما يتلثم بوشاح حول وجهه، ويخفض من صوته:
-               حاضر يا أخي، مش قادر تستنى شوية؟

يجيبه بصوت خشن ممزوج بالسخرية:
-               خايف لتصحّي الغندورة؟
-               وهي ذنبها إيه!
-               يا ميت رحمة ع الرجولة!

يتجاهل (سعيد) سخريته، ويحمل عدّته ويتجه إلى الخارج، يعاجله (عباس):
-               جبت العجينة؟
-               جبتها.
-               خمّرتها كفاية؟
-               دفنتها يومين.
-               حطيت حنتيت؟
-               إيوة.
-               غرقتها دم؟
-               منا قلتلك مش هقدر ع الدم يا (عباس)..

يجذب (عباس) كيس العجين من يد زميله فيما يقول:
-               إنت هتفضل قلبك رهيّف كدا لإمتى؟

يخطو خطوتين حذرتين، ثم ينقض على قط يقبض على عنقه وقد علا عواؤه، يستل سكينًا من ثيابه يغمدها في بطن القط، ثم يستقبل دمائه الساخنة في كيس العجين:
-               لازمن دم زفر، أمال هتجيك القراميط على إيه؟

يشاهد (سعيد) المشهد بأعين متسعة، ويرتجف في ثوبه، فيحكم إغلاق السترة فوق الجلباب، يغلق باب داره ويمضي إلى جوار زميله.

~
نظرة الصيّاد وقد عزم على اصطياد شيئًا،
أي شيء..
فتراقصت آلاف الأشياء أمام عينه أيها يختار...
~

قال (عباس):
-               برد هاه!
-               قول تلج، أني مش عارف آني ليه طاوعتك نخرج في البرد دِه!
-               قول إنك عاوز تلبد جنب الغندورة..
-               الله يا (عباس)! مش عريس جديد؟

يضحك (عباس) ضحكة خشنة:
-               وماله، بس هتأكلها منين يا عريس يا جديد؟

ثم يستدرك وقد راقته الدعابة:
-               يا سعيد يا جديد!

ينفض (سعيد) يداه ببعضهما وكأنما ينفض عن نفسه كلام (عباس)، ثم يعود فيكمشهما في كمّه من لسعة برد، فيما يعاود (عباس) الحديث:
-               ألاّ صحيح، شفت اللي جرا لـ (مرزوق)؟
-               إنت بتصدق؟ دي  إشاعات.
-               لا صدّق يا (سعيد)، البلد كلها ملهاش غير السيرة دي، دول اللهم احفظنا موجودين أكتر مننا في الهِوّ ده..
-               هو عشان البلد كلها مصدقة قوم آني أصدق!
-               لاه، إنت تصدق، عشان في نفس الوقت اللي البلد كلها مصدقة فيه، الجماعة اللهم احفظنا، بيدوروا أول حاجة، ع اللي مبيصدقوش.

يرتجف (سعيد) للحظة، ثم يعاود محاولة الثبات:
-               بلا كلام فاضي.. الراجل طفش من مراته شافله طلعة يطلعها وبكره يعاود
-               طب و (إبراهيم) اللي عدّا عليه عشان ياخده للصيد، وطلع في الآخر نايم في سريره ولا جه ولا راح!!؟

يرتبك (سعيد):
-               مهي دي اللي أني مش فاهمها... لكن مين عارف يمكن مراته اللي قالت الكلام دا كدّابة...
-               كدّابة!!؟ دانت غلبان قوي.. طب وإيه غيّتها في الكدب؟

يتوقف (عباس) عن السير، ويمد يده إلى كتف (سعيد) يوقفه ويديره إليه فيما يقول:
-               لاه، آني بقى بقول إن فعلا فيه جنيّة بتتشكل في شكل رجالة البلد وتروح تخبط ع الأبواب في الفجر والدنيا لسّه ضلمة وتاخد راجلها اللي اختارته طريق ملهش رجوع..

ـــووووع!!!

رنت الكلمة في أذن (سعيد) الذي علقت عينه بـ (عباس) لدقيقة كاملة في خشوع، ثم انتبه فنفض عن كتفه يد (عباس) وقال:
-               بطل سخافة يا (عباس)، أني جتتي متلبشة خِلقة، دِه إيه الغم دِه!

أعاد (عباس) تثبيت يده إلى كتف (سعيد) فيما يقول بصوته الأجش:
-               إنت فاكرني بضحّك ويّاك؟ إنت متعرفنيش يا (سعيد)!

ــعيــــــد!!!

كان البخار يتصاعد من فم (عباس) مع كل كلمة، ونبرته المتوعدة تزيد الأمر سوءً، ولم يكن ارتجاج الصوت في الفراغ من حولهم يجعل من الأمر أفضل، وبرغم هذا، أو ربما من أجله، تملّك الغضب من (سعيد)، الذي أزاح يد (عباس) بعنف عن سترته وصاح:
-               لااا!! لا بقى!!! إنت اللي متعرفنيش يا (عباس)... متعرفش آني مين... ومش بعيد.. أكون آني اللي نايم في بيتي دلوقت، ويكون طريقك إنت اللي ملهش رجوع.

تهتز نظرة (عباس) للحظة، قبل أن يعاود إدّعاء الثبات:
-               هتكون مين يعني يا (سعيد)؟ الجنيّة؟
-               وليه لا، مهم اللهم احفظنا، أكتر مننا في الهِوّ ده
-               بلا كلام فارغ.

تلتمع نظرة نارية بعين (سعيد)، فيما يمد يده إلى كتف (عباس) قائلاً بنبرة هادئة:
-               إيه يا (عباس)، ما انتاش مصدق؟ طب خلي بالك أحسن اللهم احفظنا بيدوروا أول حاجة، ع اللي مبيصدقوش.

يُنزل (سعيد) يده، ويحث (عباس) على مواصلة السير، ولكنه كان قد تجمد في موضعه تمامًا، ينظر في شك إلى عيني (سعيد) اللتان لا تنظران إليه، وإلى فمه الذي لا يصدر بخارًا حين يتحدث، ولا يتحرك، وذلك لأنه: مختبئ باللثام. يصيح (عباس) بنبرة حازمة:
-               زيح الوشاح دِه!

يلتفت إليه (سعيد) بذات الثبات:
-               بقى إنت عايزني أزيح الوشاح، طب مش راح أزيحه.

يجعل الذعر من صوت (عباس) مضاعفًا فيصيح بحزم:
-               بقولّك زيحه!!

تتسع عين (سعيد) من فوق اللثام، تفسح المجال للمعة عينيه أن تسود وتطغي فوق دماء (عباس) تجمدها.. بيد متصلبة ينزع (سعيد) طرف اللثام، ثم يزيحها ببطء إلى الأسفل. تتسع عين (عباس) حتى مداها، يتفحص بها قسمات (سعيد) التي يحفظها: هو هو، يزفر في ارتياح:
-               يا بن الإيه!

يضع يده على كتفه ويتابعا السير.

~
نظرة الصيّاد وقد عزم على اصطياد شيئًا،
أي شيء..
وقد عقد الشراك لأشهى صيداته...
~

فوق أعلى ربوة بحافة النهر، يجلس كل منهما عند بقعة، على بعد عشرة أمتار من الآخر...

القمر؟
غائب، وليست الشمس حاضرة.

يدير (عباس) رأسه يتطلع إلى (سعيد) الذي يبدو منتشيًا فيما تتقافز القراميط في قصعته، فيغني بكل أعضاء جسمه:
"طلعت يا محلى نورها..
شمس الشموسة...."

يصيح (عباس):
-               ششش! اقعد ساكت.. إيّاك فاكر القراميط هتهوّب من صنارة مهزوزة!

وهي اللحظة التي تثقل بها صنارة (سعيد)، وتنجذب عميقًا بالنهر، فيهب واقفًا محاولاً الحصول على الإتزان، يجذبها في قوة ثم يحرر القرموط العالق بمقدمتها ويلقيه إلى جوار إخوته، وحين يملك الوقت بالنهاية، يلتفت إلى (عباس) قائلاً:
-               أني بقول توفر نصايحك لنفسك يمكن تتلايم على بسرياية.

ثم يجلس، يغرس قطعة من العجين بالصنارة، ثم يلعق أصابعه في نهم، يردد في استمتاع بينما يبتلع قطعة أكبر:
-               الله الله!!!

تتسع عين (عباس) في دهشة تغالب الإشمئزاز:
-               إنت بتاكل إيه يا (سعيد)، دِه غرقانة دم!
-               نِعمة من ربنا!

ثم يلقي (سعيد) بالصنارة فيما يرتج جسده كله بالغناء:
"ياللا بنا نملى ونحلب...
لبن الجاموسة!!!"

يزيح (عباس) نظره عنه في استنكار، فيقع بصره على قصعة القراميط ذات الأحجام المتفاوتة إلى جانب (سعيد)، يحدّق النظر في قرموط ممتليء، فيبادله التحديق، إن منظره مقزز، يتلوى كالثعبان برأسه المبطط كمنقار خلد الماء وشواربه المرتعشة كشوارب الصرصور. ويبدو أن له حياة خاصة تستحق الاهتمام، بحيث يصير من غير اللائق أن تعامله كمحض سمكة ميتة.

كانت تلك خواطر (عباس) في تلك اللحظة التي يرمق بها ذاك القرموط الممتلئ، والذي صار في اللحظة التالية هزيلاً فيما كبر قرموط آخر بجواره، ثم جنّت بقية القراميط وتباينت أحجامها في رقصة مريبة أمام عينيه، فدعكهما جيّدًا وابتلع ريقه.

ألقى نظرة على (سعيد) فكان لا يزال يرتج بالأغنية، ولكنه صمت فجأة، مال جذعه قليلاً للأمام إثر غمزة صنارة، ثم مال كثيرًا جدًا، إنه يصرخ:
-               إلحقني يا (عباس)، دِه باينها صيدة كبيرة

هب (عباس) واقفًا وركض تجاهه، كاد يُمسك به يثبّته ولكنه توقف لحظة، لقد صار خلفه بالضبط الآن إذ يترنح ممسكًا بالصنارة، وكما أن لمسة من يده ستنجده فإن لمسة أخرى يمكنها أن تهلكه.

-               مستني إيه يا (عباس)، روحي هتطلع!

يكف (عباس) عن التفكير ويُمسك بـ (سعيد) من تحت إبطيه يسحبه للوراء، ينجح (سعيد) في إخراج السمكة العملاقة التي لن تزن بأقل من عشرين كيلوجرامًا.. يحررها من الصنارة بصعوبة وقد علقت أجزاء فمها بسن الصنارة، ثم يرتمي خلفها في إنهاك:
-               أما سمكة عِفرة صحيح!

تتقازم جميع الأسماك جوار السمكة الأخيرة... يلقي عليها (عباس) نظرة طويلة، ويشعر في نفسه أنه يرغبها ويخشاها، لا شك أنها كبيرة هؤلاء.

يتحاشى النظر إليها فيما يميل على (سعيد):
-               شفت يا (سعيد)! كنت أقدر أقتلك..

ينظر إليه (سعيد) بدهشة، ثم يبتسم في سخرية:
-               وليه مقتلتنيش؟
-               أني برضك أقتل صاحـ....

يقاطعه (سعيد) بضحكة عاليه بينما يضرب كفيه ببعضهما، ثم يرفع عينه إلى (عباس) وقد التمعت بالشر:
-               غلطان يا (عباس)، كان لازمن تقتلني قبل ما أني أقتلك.
-               تقتل صاحبك يا (سعيد)؟
-               مهو إنت مش صاحبي، إنت صاحب... (سعيد).

تتسع عينا (عباس) للحظة، قبل أن يملأها الشر بدورها، ويقول بصوته العميق:
-               كنت سألتني يا (سعيد) أني ليه مقتلتكش.... والإجابة، أني لو كنت قتلتك نوبة واحدة، كنت هتسلى بإيه لحد الصبح!؟

ثم يميل يلتقط قطعة من العجين، ويبتلعها في نهم.

يرتج بدن (سعيد) مع نسمة باردة:
-               اللعبادي مسّخت ع الآخر يا (عباس)... ولازمن يبقالها نهاية.

~
نظرة الصيّاد وقد عزم على اصطياد شيئًا،
أي شيء..
فعلقت بصنّارته خيبة الأمل.
~

يجلس الرجلان القرفصاء بمواجهة بعضهما، ويحدّق كل منهما بالآخر، يقول (سعيد):
-               دلوقت ح نبدأ اللعبة.
-               لعبة إيه؟
-               لعبة ’مين مننا مهوّاش مننا‘.
-               إيه؟
-               أني ح أسألك بعدين جاوب.

يتطلع بعمق في عين زميله:
-               قولي يا (عباس)، لو كنت إنت (عباس)، إمتى كانت أول مرة شفتك فيها؟
-               كانت من ييجي 20 سنة، كنا في المدرسة والعيال كانوا بيضربوك ودّهم ياخدوا القرش ساغ منك، وأنا دافعت عنك، فاكر؟

ينظر (سعيد) للأرض، ثم يرفع رأسه إلى (عباس) ويقول:
-               دورك، إسأل إنت..

يتأمل (عباس) في الفراغ لحظات ثم يقول:
-               طب قولي يا (سعيد)، لو كنت إنت (سعيد)، كان مين اللي علمك الصيد وركوب البحر؟
-               إنت يا (عباس).
-               مين كان بيكتبلك رسايلك للغندورة؟
-               إنت يا (عباس).
-               مين اللي...

يقاطعه بحدّة:
-               مكفاياك يا (عباس)!
-               آخر سؤال..

يقولها بشجن:
-               مين اللي استخسروا فيه السعد حتى كـ اسم على ورق، وادهولك انت، فبقيت انت سعيد في حياتك، ومبقالوش هو إلا الغم والعبوس والنكد؟
-               إنت يا (عباس)، شالله تكون اتطمنت إن أنا (سعيد).
-               إيوة اتطمنت، لكن أني مش (عباس).
-               وبعدهالك، إحنا هنعيده تاني!؟ أني خلاص إتأكدت؛ مفيش جنيّة في العالم تعرف اللي إنت تعرفه يا (عباس).
-               دا مش وهي في جتة (عباس).

يهب واقفًا.
~

في طريق العودة، يتقدم (سعيد) حاملاً قصعته إلى جانبه، وساحبًا خلفه قرموطه الأكبر مربوطًا بوشاح رأسه. يتقدم (عباس) من خلفه ويحاول الإمساك بطرف الوشاح:
-               عنّك إنت أساعدك..

يتحاشى (سعيد) يده قائلاً:
-               لااا، بعينك تلمس نصيبي.
-               بقى كدا يا (سعيد)؟ داني اللي أنقذتك من الموت..
-               متشكرين ليك قوي لكن مش راح اعطيهولك.
-               بشوقك يا (سعيد).

يحاول (سعيد) شق طريقه وسط الأثقال التي يحملها، فيما يسير (عباس) خفيفًا إلى جواره:
-               تعرف يا (سعيد).. برضك كانت اللعبة مفيدة، أقله عرفت منها أني قد إيه ضحيت عشانك.
-               وإنت أول مرة تعرف وللا إيه؟
-               لا مش القصد، أني كنت عارف إيوة لكن مش بالترتيب دِه.. دي أول مرة أفتكر كل الحاجات اللي عملتها علشانك في نفس الوقت، بتفرق برضك.
-               وفرقت في إيه؟
-               لا فرقت كتير، ساعتها بتشوف إنت قد إيه كنت حمار، وكمان لجل الصدفة دا نفس الوقت اللي عرفت فيه قد إيه إنت صاحب ندل.
-               أني يا (عباس)؟
-               إيوة يا (سعيد)، دانت مستكتر عليّه ألمس القرموط..
-               قول اللي تقوله يا (عباس)، برضك مش راح أديهولك.

يتوقف (عباس) فجأة، وينظر إلى (سعيد) بحدّة:
-               بقى دي آخرتها يا (سعيد)؟ عطيتك عمري وعلمتك كل اللي أعرِفه لحد ما بقيت أحسن مني وأخرتها مستخسر فيّا حتة قرموط؟
-               خد قصعة القراميط كلها، لكن القرموط الكبير لاه.
-               لاه أني عايز القرموط دِه.
-               دِه تعبي وإنت جاي تلهفه، متشطرتش في الصيد ليه؟

تتصاعد الدماء إلى رأس (عباس)، يتراقص الشيطان أمام عينه، يتلاعب خيط الصنارة بين يديه، فيما يقول بصوته المعهود:
-               إذا ما عطيتنيش القرموط يا (سعيد)، راح آخد عمرك.

ويهجم على (سعيد) دفعة واحدة يطوّقه بالخيط، ويعتصر عنقه بعنف، يحاول (سعيد) أن يتنصل، تجحظ عيناه تتابع الشمس التي تتصاعد في السماء، يحاول الحديث فلا يخرج غير حشرجات، يتحرك فضول (عباس) ليعرف ما سيقول، ليسمع توسلاته، تلين قبضته عن عنقه ويصغي السمع، فيسعل (سعيد) فيما تتطوح يديه ويرتج بالغناء:
"طلعت يا محلى نورها..
شمس الشموسِـــــــــــه!!!"

غضبًا فوق الغضب يتملك (عباس)، يدفعه إلى إحكام القبضة من جديد، ضحكات خفيفة آخر ما سمع، اختلاجات محدودة وبعض الرعشات، قبل أن يتدلى اللسان ويشخص البصر..

يلقي به جثة هامدة على الطريق، ثم يلتقط وشاح السمكة، ويجرّه من خلفه.

~
نظرة الصيّاد وقد عزم على اصطياد شيئًا،
أي شيء..
ما كان يقبل بأن يرجع خالي الوفاض.
~

يهب (سعيد) واقفًا، يدير رأسه ويثبّت لسانه، يزيح الخيط عن عنقه،
ويمسّده لعنق جديد.

ودون أن يخطو، وفي لمح البصر، كان خلف (عباس) بالضبط، وقد قال بنبرة رهيبة:
-               على فين يا (عباس)؟

تلجم المفاجأة (عباس)، يستدير ببطء، ثم يلجمه الخيط الذي يعقده (سعيد) في سرعة حول عنقه فيما يقول:
-               هو أني مش قلتلك، مش بعيد أكون أني اللي نايم في بيتي دلوقت، ويكون طريقك إنت اللي ملهش رجوع!؟

تشخص عينا (عباس) إلى العينين أمامه اللتان تنشقان بالطول، إلى جسد (سعيد) الذي ينشق عن أنثى، تتضخم وتطول أكثر فأكثر حتى تبلغ أضعاف أطوال الرجال، فيما يديها لا تزالان ممسكتان بالخيط، تجذبانه أكثر، فيختلج (عباس) اختلاجات بائسة، وقبل النزع الأخير، تلقي بكلمتها الأخيرة:
-               قلتلك، كان لازمن تقتلني قبل ما أقتلك.

تهدأ اختلاجات (عباس)، يتوقف تنفسه، تلقي به الجنيّة إلى بعيد، لكنه إذ يرتطم بالأرض، يعود لها.

ترقبه بعينيها المشقوقتين بالطول إذ يقترب، ترقبه إذ تنشق عيناه بالطول، وينشق جسده عن جنيّة تشبهها، تبتسم في وداعة فيما تقول:
-               ماني برضك قلت، إني لو كنت قتلتك نوبة واحدة، كنت هتسلى بإيه لحد الصبح!؟

ثم هجمت على صاحبتها تمزّق وجهها بمخالبها الحادّة، فيما تنشب الأخرى أنيابها بعنقها.

(تمت)

هناك 12 تعليقًا:

  1. القصه ممتازه من كل الوجوه باستثناء وجهه واحد فقط لغتها العاميه لم تعجبنى مطلقا باستثناء ذلك هى قصه متكامله و بها جرعه رعب تلمس المشاعر فتوترها حتى النهايه جاءت مفاجاه وغير تقليديه خيبت ظنى تقريبا وكانت نهايه صادمه وغير متوقعه وموضوع النداهه مثير بحق وبه دفقات من الرعب الغريزى مرتبط باسطوره ريفيه عريقه رعب له عبق الريف بهدؤئه وسكينته وليله الذى يملائنا بالرهبه مع صمت الحقول وجسور الترع وهذا ما المسه بحكم حياتى فى احد قرى ريف مصر الساحر والذى لاارضى عنه بديلا قط ....ولو حتى فى نيويورك وفيينا وباريس .أنا كده مرتاح بعيدا عن صخب وضوضاء المدن الذى يستفزنى بشده ولا يستهوينى مطلقا .ولكن نصيحتى بالرغم من اننى اعلم ان اللغه العاميه هى سمه اهل الريف واكيد هتقولى يا استاذه سالى هذا هو الطبيعى الكتابه بالعاميه فى هذه الاجواء الااننى افضل الكتابه بالفصحى فى كافه المواقف والظروف وهذا رايئ الشخصى البحت .وفى انتظار المزيد من دفقات الرعب كل ليله ثلاثاء و........الى قصه اخرى قادمه يا نجمه نجوم الروايات...بأ أجمد قلم يسطر أجمل رعب يستشيرنا حتى كدنا ان نعشقه بكل لذه3:)

    ردحذف
    الردود
    1. العزيز راضي منورني هنا على المدونة وسعيدة جدا بوجودك ورأيك يسعدني دوما حتى لو اختلفنا في بعض التفصيلات ولسه معرفتش رأيك في القصة الجديدة

      حذف
  2. بجد جميلة و مسليه .... بس العيب الوحيد ان الاسمين سعيد و سعد كانوا قريبيبن اوى من بعض و كانوا بيلغبطوا...غير كده القصة غاية فى الروعة ... وجميل ان لغة الحوار هى اللغة الاصلية بين اتنين صعيده لان ده بيدى نوع من انواع الاحساس انها حقيقية ... اتمنى الالستمرار ف القصص الجميلة ديه ...و انتظر على احر من الجمر القصة التالية :-)

    ردحذف
    الردود
    1. متشكرة قوي على الحضور الجميل
      ومعاك حق بخصوص الأسماء ان شاء الله لو نزلتها في اي مكان تاني هغير الاسماء
      وياريت اعرف اسمك ايه ومنتظرة دايما اراءك

      حذف
    2. انا اسلام اللى قولت قبل كده ( اعتبرنى من قرائك الجدد -اللذين يعلنون اخلاصهم -) و ان شاء الله مستنين قصص جديدة

      حذف
    3. تنورني يا اسلام وعشان خاطرك انت والقراء الحلوين اللي اتلخبطوا بسبب تشابه الاسمين تم تغيير اسم سعد الى عباس :D

      حذف
  3. غير معرف6/4/13 22:29

    جميلة جدا القصةالشكوك فيها كتير و النهاية غير متوقعة

    ردحذف
    الردود
    1. متشكرة قوي تعليقك انت اللي جميل

      حذف
  4. غير معرف13/5/13 21:32

    حلوة اوى وفى انتظار المزيد

    ردحذف
  5. غير معرف6/12/13 07:36

    جميييله جداً .. إعجبتني جداً
    و الرعب الذي تحتويه جميل و ممتع
    و النهاية الغير متوقعة يعطي القارئ متعة اكبر ( وجهة نظر )

    انتظر جديدك.

    ردحذف
  6. غير معرف30/3/14 17:30

    امال سعيد وعباس الأصليين راحوا فين؟؟ طب بلاش دي ، انهي جنيه فيهم اللي قتلت مرزوق ؟؟ :D :D قلشت منك دي يا سالي

    ردحذف
  7. غير معرف29/4/16 02:52

    الاتنين طلعوا جنيات ههههه نهايه عظيمه

    ردحذف

إذًا، ماذا ترى؟
أسرِع، لا يمكنني الانتظار

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...